السيد محمد الصدر

132

منة المنان في الدفاع عن القرآن

السابقين . سؤال : إنَّ ( قل ) فعل أمرٍ ظاهرٌ في الوجوب ، وحمله على الاستحباب خلاف الظاهر ، فقد يقال : إنَّ علماء الكلام قالوا : إنَّ الإيمان بالعقائد لا معنى للتشريع فيه ، وإنّما هي واجبةٌ بحكم العقل ، والأوامر الواردة إنّما هي إرشادٌ إلى حكم العقل ، والله تعالى ينبّه هنا على حكم العقل ، فلا يجب علينا طاعة هذا الأمر ؛ لأنَّه ليس تشريعاً ، فلا يجب علينا اتّخاذ أحد الأسلوبين السابقين . قلنا : هذا قابل للمناقشة : أوّلًا : إنَّ ما طرق سمعك من أنَّ الأوامر إرشاديّة إنّما هو لخصوص وجود الله سبحانه ، فهو سبحانه يُدرَك بالعقل ، فإذا ورد عن الله بمضمون : ( اعترف بوجودي ) فإنَّما هو إرشادٌ إلى حكم العقل ، وهذا صحيحٌ ، ولكن سائر أُصول الدين ليست كذلك ، حتّى التوحيد نفسه ؛ فقد شهد الله سبحانه نفسه بتوحيده . قال تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 1 » . فالله الذي ثبت بالعقل وجوده هو يخبرنا عن توحيده ، وهذا - في الحقيقة - من أدلّة التوحيد . إذن فالعبد في هذه السورة مأمورٌ تعبّداً من قِبل الله سبحانه بأن يذعن بتوحيده ، فلا يكون الأمر إرشاديّاً ، بل تشريعيّاً . ثانياً : إنّنا لو تنزّلنا عمّا قلناه أوّلًا وسلّمنا أنَّ الأمر بالتوحيد أيضاً إرشادي - كالاعتراف بوجود الله سبحانه - عندئذٍ يكون أصل الدخول في الإسلام عقلي إرشادي إلّا أنَّ غرض السورة لا يكون هو الدخول إلى

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 18 .